هل أنت مثقف
كان الناس إلى عهد ليس ببعيد يعدون الرجل
مثقفاً، إذا ما حصل على شهادة ثانوية أو عالية. وكانوا يعدونه مثقفاً حقاً، إذا كان مهندساً أو محامياً أو طبيباً أو أستاذاً. قد
كان ذلك مستطاعاً، قبل أن تتكاثر السيارات والطائرات، وتقترب بلدان العالم بعضها
من بعض، وتختلط الثقافات العالمية، وتصبح الحضارة متاعاً مشاعاً للجميع، وتشتبك
الآراء والأخبار وأساليب التفكير بعضها ببعض، بفضل التليفون والتلغراف واللاسلكي
والتليفزيون. وقد كان ذلك ممكنا قبل انتشار الصحف والمجلات والكتب ونقلها إلى شتى
اللغات في جميع البلدان.
من كان يحلم أن اللغة العربية تدرس الآن
بلهجتها المصرية في جامعة كولومبيا بولاية نيويورك، وبلهجتها الشامية في جامعة
برنستون بولاية نيوجرزي، وبلهجتها التونسية والمراكشية في جامعة بنسلفانيا بولاية
بنسلفانيا؟ ومن كان يحلم أن محطات افذاعة الأوروبية والأمريكية، تذيع الأغاني
والموسيقى والأحاديث العربية، يومياً بغير انقطاع؟ ومن كان يحلم أن مكتبات العواصم
وأمهات المدن في جميع القارات، تجمع الكتب والمؤلفات العربية الحديثة، والمجلات
والصحف، فضلاً عن الأفلام السينمائية، والأغاني والموسيقى المسجلة من جميع بلدان
الشرق الأوسط العربي؟
كان يكفى في أوائل هذا القرن أن يلم المرء
بشيء من العلوم الاجتماعية والطبيعية وبلغة البلاد ولغة أجنبية، حتى يقال عنه أنه
مثقف. أما الآن فقد تبدلت الأحوال بمرور الزمن، وتعقدت الحياة وتشابكت مصالحها،
وتشعبت علومها، واتسعت معارفها، وتطارفت ثقافاتها وتدخلت بعضها ببعض. وبذلك ثقلت
كواهل المتعلمين بالمسئوليات وأصبح هدفهم من الدراسة مزدوجاً، إذ عليهم أولاً أن
يلموا بالمواد الثقافية التي تؤهلهم أن يكونوا "مواطنين" نافعين
لبلادهم، و "مواطنين" عالميين في وسعهم الاستفادة من حضارة هذا العصر
والاستمتاع بها. وعليهم ثانياً أن يتقنوا المواد النظرية والعملية التي تؤهلهم
لممارسة المهنة أو الصناعة التي يعيشون منها.
وما يزال الكثيرون يظنون أن كل من يمارس
مهنة من المهن الراقية مثقف، وقد فاتهم أن الجراح أو الطبيب، أو أستاذ الطبيعة، أو
التاريخ، أو الاقتصاد، أو المحامي، أو المهندس، أو سواهم من أرباب المهن الشريفة
الراقية، قد يكون بارعاً في صناعته، عالماً في مادته، ومع ذلك يكون بعيداً عن
الثقافة بعد الأرض عن السماء، وكثيراً ما يحدث أن العالم أو الطبيب أو رجل
القانون، كلما تعمق في مهنته، ومهر في صناعته، انغمس فيها بكل جوارحه وميوله، ووجه
إليها كل عنايته، وضاقت دائرة تفكيره، حتى أصبح كل همه منحصراًَ في تلك الدائرة،
وأهمل كل ما نسميه ثقافة عامة، خصوصاً إذا كان حظه منها في الأصل ضئيلاً.
ولم يتفق الناس بعد تماماً على ما يسمونه
الثقافة العامة لعناصر التي تتكون منها. ففي معاهدنا المصرية، قد اتفقوا على بعض
مواد في السنوات الأولى الأربع من مرحلة الدراسة الثانوية، حسبوها عناصر الثقافة
التي ينبغي لكل طالب الإلمام بها، قبل التخصص فيما يعده للمهنة التي سيزاولها في
مستقبل حياته. أما في كليات الجامعة، فهناك مواد ثقافية .. على أن أكثر المواد،
خصوصاً في الكليات العملية، يصعب أن يقال عنها ثقافية.
ويختلف النظام في المعاهد الأمريكية عنه
في المصرية، فالدراسة الثانوية هناك مزيج من المواد الثقافية البحتة، والمواد
العملية التي تعد الطالب للحياة المهنية والاحترافية من جهة، وتهذب يده وتحببه في
العمل اليدوي من جهة أخرى. وتحتم الجامعات في قبول الطلاب في كلياتها، أن يتم كل
منهم دراسات ثقافية معينة، سيجيء الكلام عنها عند ذكر العناصر التي تعد لازمة
لثقافة الفرد.
ولما كانت هذه الدراسات الثانوية لا تكفي
لتثقيف الطلاب، فإن في كل جامعة أمريكية تقريباً كلية للثقافة العامة، يسمونها
كلية العلوم والفنون (أو الآداب) الحرة، وعدد سنواتها أربع، ينال الطالب في
نهايتها بكالوريوس في الآداب أو في العلوم، وبعد ذلك يلتحق بالكلية التي تعده للمهنة
التي يختارها، كالطب أو القانون أو التدريس. ومعنى ذلك أن الشاب الذي يسلك هذا
الطريق ويمارس مهنة الطب، عليه أن يقضى ثماني سنوات في مرحلة الابتدائية، وأربع
سنوات في مرحلة الدراسة الثانوية، أكثر موادها ثقافية وأقلها توجيهية لمهنة الطب،
وأخيراً أربع سنوات في كلية الطب، يسمح له بعد نيل دبلومها والتمرن كطبيب امتياز
في أحد المستشفيات لمدة سنتين، أن يزاول مهنته.
ولم يتفق
الناس ولا المهيمنون على شئون التربية، على العناصر والمواد التي تكون الثقافة
العامة، ولكنهم كادوا يجمعون على شيئين. أولهما أن يلم الفرد بالمبادئ الأولية،
على الأقل، التي يفهم بها نفسه. وثانيهما بالمبادئ الأولية العامة، على الأقل التي
يفهم بها بيئته والعالم الخارجي. وتشمل الأولى، علم الأحياء أو بعض فروعه على
الأقل كوظائف أعضاء جسم الإنسان، وعلم التوالد، والوراثة، وكذلك علم النفس. وتشمل الثانية
التاريخ العام، وتاريخ الموسيقى والتصوير، والنحت، والتمثيل، والرقص، وسائر الفنون
الجميلة، والتعرف على مشاهير رجالها، وأهم ما خلفوه من آيات الفن.
كما تشمل الحركات السياسية
والاقتصادية والصناعية والاجتماعية التي جعلت الحياة ما هي عليه اليوم. فضلاً عن
لغة البلاد وتاريخها وآدابها، ولغة أخرى حية على الأقل، وعلى تخطيط البلدان،
والمامة عامة بمبادئ العلوم الطبيعية المتصلة بحضارة القرن العشرين اتصالاً
وثيقاً.
وهناك
مدرسة جديدة، تتصل أسسها وفروعها في الواقع بالماضي البعيد، ولكنها أخذت شكلاً
جدياً حديثاً، وعلى الأخص في أمريكا. وينادي أصحابها بوجوب إلمام كل مثقف بعدد من
الكتب والمؤلفات العالمية المشهورة "الكلاسيك" وهي المؤلفات التي كان
لها أشد الأثر في تنمية الفكر الإنساني وتشكيله منذ بزوغ الحضارة الإغريقية إلى يومنا
هذا. وقد أجمع أصحاب هذه المدرسة على أكثر من مائة كتاب، ظهر السواد الأعظم منها
قبل نهاية القرن الثامن عشر .. وقد نشرنا بياناً بأسماء هذه المؤلفات العظيمة
كاملاً في مناسبة أخرى، مشفوعاً بأسماء الكتب العربية "الكلاسيك" التي
رأى من استفتيناه من الأدباء المصريين، وجوب التعرف عليها، إذ بدونها لا يمكن لعربي أن يقال أنه مثقف.
ولا تتسع
صفحات الهلال لأمهات الكتب هذه، ولكني سأتخير منها ما يأتي موزعاً حسبما اتفق بين
سنة 323 قبل الميلاد وسنة 1850 بعده. وهي بعض مؤلفات فرجيل، بلوطارخ، أرسطو،
شكسبير، جاليليو، ديكارت، كورنيل، ليورناردو دي فنشي، ماكيافلي، روسو، مونتسكيو،
كارل ماركس، غوته، مالتوس، فرويد، وليم، هذا عدا الكتب السماوية. أما الكتب
العربية فمنها العقد الفريد، ومقدمة ابن خلدون، وتاريخ التمدن الإسلامي، ونفح
الطيب، وألف ليلة وليلة، والبيان والتبين، ورسائل الجاحظ، وتحرير المرأة،
واللزوميات، وتاريخ الطبري، ولدي من أسماء هذه الكتب ما يقرب من المائة.
وينقسم
الناس فريقين فيما يتعلق بهذا الموضوع. أحدهما يحبذ قراءة الكتب الحديثة التي تتصل
بصميم الحياة الحاضرة، ويكتفي بالنزر اليسير من المؤلفات "الكلاسيك"،
والآخر يحتم الإلمام بما يسمونه "الكتب العظيمة" أي الكلاسيك، لأنها في
مجموعها تراث الفكر الإنساني وأطوله الذاهبة في أعماق التاريخ وأغوار التربية
البشرية. وقد بلغ تحمس هذا الفريق، أن جعل جواز الامتحان في هذه الكتب شرطاً
لازماً لنيل أولى الدرجات الجامعية (البكالوريوس) وعلى رأس هذا الفريق في أمريكا
دكتور اتشيسون، رئيس جامعة شيكاغو المشهورة.
ولعل أكبر
حجة يتذرع بها هؤلاء، أن العالم مدين لفلسطين والشرق الأوسط بأديانه، وامبراطورية
الرومان بقوانينها، وللإغريق بمقاييس الجمال والإعجاب بالفنون الجميلة، فمن المحتم
إذن أن يقف الرجل المثقف على آداب تلك الأمم وحياتهم الفكرية منذ نشأتها، قبل
الإلمام بالعصور الحديثة.
ومن حق
القارئ أن يتساءل عن الحلقات المفقودة في سلسلة ثقافتنا المصرية وثقافة جاراتنا
العربية، بغض النظر عن الخلاف بين الفريقين السالفي الذكر، وسواء أأكثرنا من تراث الماضي
من "الكتب العظيمة"، أم جنحنا إلى تراث الحاضر من المؤلفات الحديثة.
ومن رأيي أن
الفنون الجميلة كادت تكون لا وجود لها في ثقافتنا، ولست أعني هنا ألا يوجد
رساميون، أو مثالون، أو موسيقيون، أو ممثلون، أو راقصون. ولكني أعنى بذلك أن
ثقافتنا الحاضرة، لا تؤهل صاحبها أن يلم بتاريخ هذه الفنون ونشأتها، ولا تؤهله
ثقافته أن يستسيغها أو يعجب بها. ومن المعلوم أن الإنسان قد لا يكون في وسعه أن
ينظم بيتا واحداً من الشعر، ولكنه يستسيغ الشعر، ويستمتع به. وقد لا يكون في وسعه
أن يعزف على أبسط الآلات الموسيقية ولكنه بطرب لسماع العازفين عليها.
ولسنا ندري
لماذا تحشو معاهد التعليم عقول الطلاب بأسماء القواد والعظماء من جميع العصور،
وتطالبهم بأسماء الحورب ومواقعها المشهورة، ومع ذلك تتركهم في جهل مطبق وظلام دامس
فيما يتعلق بهذه الفنون، ومشاهير رجالها ونسائها، وما خلدوه في متاحف العالم من
آثار، وما أشاعوه في عالمنا من آيات الجمال.
ومن الأخطاء
الشائعة، الزعم أن أكثر هذه الفنون أو كلها غربية، لا حاجة بنا إلى التعرف عليها.
ولكن الواقع أنها عالمية كسائر المعلومات والمعارف التي يتلقاها طلاب المدارس
والجامعات في جميع أنحاء العالم. فالموسيقى مثلاً نوعان: موسيقى شعبية خاصة ببلد
معين، أو مقاطعة معينة في بلد ما، وموسيقى أممية عالمية، أصبحت متاعاً مشاعاً
للجميع. فمارش رداميس في أوبرا "عايدة" لحنه فردي وهو إيطالي، لدار
الأوبرا المصرية خصيصاً، ومع ذلك لا يكاد يسمعه رجل مثقف في أية بقعة حتى يتميزه
ويطرب له.
كذلك لوحات
الفن الخالدة قد تكون أحداها من رسم "فانديك" ومع ذلك إذا شاهد ياباني
مثقف صورة منها تميزها، وأدرك اسم راسمها، وأعجب بها وأطال النظر إليها، وقد يتعرف
على قصتها، والظروف التي أحاطت بالفنان عند رسمها.
ولا يدعو
هذا إلى شيء من الغرابة، فالطالب المصري مثلاً يعجب بمؤلف من مؤلفات شكسبير وهو
انجليزي، وبرواية من روايات موليير وهو فرنسي، للسبب الذي يعجب به رجل ملم بالفنون
الجميلة، بصورة لتمثال من صنع مايكل أنجلو، أو رسم لصورة من عمل روفائيل، أو لحن
من وضع شوبان، أو فاجنر.
وأيا كانت
الوسائل التي يتخذها المرء لتثقيف نفسه، فإنها جميعها تؤدي غلى الغرض المقصود،
طالما كانت تؤهل صاحبها لتفهم المدينة المعاصرة التي يعيش فيها، وتكون حمامة
السلام بينها وبين نفسه من ناحية، وبينه وبين العالم الخارجي من ناحية، وطالما
كانت تسمو به إلى المثل العليا، وتربية الذوق السليم، والاستمتاع بما في الحياة من
جمال مادي ومعنوي، وبناء علاقاته بالمجتمع على أساس متين من العلم والفن والخلق
الرصين.
